شفاء…

 

كانت قد اجتاحتني حالة كآبة مؤلمة، إذ مرت أيام عديدة و قلمي على خرسه يرفض أن يطيع أصابعي التي تتحرق لخربشة شيء ما على صفحات ذاك الدفتر الأزرق… كنت أبدأ جملة سلسة شهية كقطعة كاتو فاخر ثم ما ألبث أن أختمها بشئ أشبه بفتات الإبداع…و أنا أكره الفتات…أكره أنصاف الجمل و أنصاف الأفكار… أحب أن ألبس ورقتي أبهى الحلل…و تلك عقدة أخرى تعطيني إحساسا بأني سأكون واحدة من هؤلاء الكتاب البخيلين حد الصمت، في غيابهم يزيد شوقنا و ترقبنا لما سيتحفون به عيوننا و قلوبنا في المرة القادمة… تأتينا أجساد أفكارهم ممدة بإغراء مستفز أمام عيوننا المبهورة حد الخرس… حد الوله… حد الهذيان… حد بعثرة مشاعرنا كأوراق شجرة عزلاء في مساء عاتي الرياح…

كدت أبكي و أنا أتوسله أن ينطق، أن يلفظ حبرا، أن يهذي، أن يفعل أي شئ أخر عدا التحديق بي في صمت مريب…. و عندما أيقنت أن ذاك القلم قد أعلن العصيان ورفع راية التحدي و جعل من إغاظتي لعبته المسلية، اتخذت قرار إعدامه بتهمة “خيانة الأدب”… و هكذا انتهى به الأمر في سلة المهملات مهشم الرأس… و سال دمه الأزرق الذي رأيت فيه كل تلك الجمل الجميلة التي رفض أن يشي بها…

كانت جريمة كاملة… أخرست بعدها صوت ضميري بقرص أسبرين ثم حاولت النوم

إلا أنني ليلتها لم يغمض لي جفن، ظل هاجس الخرس الحبري يشغل كامل تفكيري، و عند أول خيوط الفجر التي أضاءت عتمة الكون، استيقظت من “نصف نومي” (أنا التي أكره أنصاف الأشياء)، و حضرت كأس نسكافيه، متأملة أن يوقظ الكافيين بنات أفكاري من سباتها اللذيذ…جلست إلى مكتبي و حدقت مطولا بذاك الدفتر الأزرق الجميل ثم حولت نظري بشهية إجرامية للقلم الأخر، صديق المرحوم، كنت عازمة على وأد كل قلم تسول له نفسه الاستهزاء بعرشي…

كانت صفحات ذلك الدفتر ناعمة على نحو مستفز…و خطوطه دقيقة، خافتة الإضائة كمن تترك لكلماتك بذخ التوهج…

اخترت لمحاولتي الاقتحامية الجديدة قلما أسود, إمعانا في إرهاب الكلمات المتمردة، علها تنصاع لسلطان عتمته.

تجمدت أصابعي عند بوابة الإلهام…انتظرت لحظة أن يفتح لي أحدهم…طرقت بسن قلمي الغاضب عازمة على الانصراف الابدى في حين لم يجب ندائي أحد…و فجأة، فجأة انطلق نور يأسر العيون، و سرى دفء الكلمات في عروقي ، ثم انتقلت عدوى المرح لقلمي الذي خط لحظتها هاته الكلمات:

“كانت السعادة تلبسني قسرا ذاك المساء…أخلعها بإصرار فإذا بأنفاسها تزداد التصاقا بي… كانت تنتقل بجسدها النحيل بخفة بين دروب قلبي تزينها بحلل الفرح… لدهشتي لم أضحك و لم أبكي…رحت أتأملها في صمت و هي تجتث رماد الحزن من حديقة عمري و تسقي بماء الأمل و الحب شجيرات أحلامي الغضة… عند انصرافها تركت الفاتورة على بوابة قلبي مكتوب عليها “وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم”….

اللهم لك الحمد حتى ترضى و لك الحمد إذا رضيت و لك الحمد بعد الرضى.

كانت تلك الفقرة أقصى ما جادت به مخيلتي, و لكنني كنت سعيدة جدا فقد شفي قلمي من خرسه… أو ربما أنا التي شفيت من حزني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: